أحمد بن محمد القسطلاني
73
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( وكرهه ) أي كره البيع والشراء المذكورين ( ابن سيرين ) محمد فيما وصله أبو عوانة ( وإبراهيم ) النخعي ( للبائع والمشتري ) ولأبي ذر كما في الفرع : وللمشتري ، ورواه أبو داود من طريق أبي هلال عن ابن سيرين عن أنس كان يقال : لا يبيع حاضر لبادٍ وهي كلمة جامعة لا يبيع له شيئًا ولا يبتاع له شيئًا قال الحافظ ابن حجر : ولم أقف لإبراهيم النخعي على ذلك صريحًا ، لكن ( قال إبراهيم ) مستدلاً لما ذهب إليه من التسوية في الكراهة بين بيع الحاضر للبادي وبين شرائه له ( إن العرب تقول : بع لي ثوبًا وهي تعني ) أي تقصد وتريد ( الشراء ) وللحموي والمستملي : وهو يعني . قال الكرماني : وهو صحيح على مذهب من جوّز استعمال اللفظ المشترك في معنييه اللهم إلا أن يقال إن البيع والشراء ضدّان فلا تصح إرادتهما معًا . فإن قلت : فما وجهه ؟ قلت : وجهه أن يحمل على عموم المجاز انتهى . قال البرماوي : ولا تضادّ في استعمالهما كالقرء للطهر والحيض انتهى . قال ابن حبيب من المالكية : الشراء للبادي مثل البيع لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يبيع بعضكم على بيع بعض " فإن معناه الشراء . وعن مالك في ذلك روايتان . وقال أصحابنا الشافعية : ولو قدم البادى يريد الشراء فتعرض له حاضر يريد أن يشتري له رخيصًا وهو المسمى بالسمسار فهل يحرم عليه كما في البيع . تردد فيه في المطلب واختار البخاري المنع . وقال الأذرعي : ينبغي الجزم به . 2160 - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لاَ يَبْتَاعُ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَلاَ تَنَاجَشُوا ، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ » . وبه قال : ( حدّثنا المكي بن إبراهيم ) البلخيّ ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( ابن جريج ) بضم الجيم الأولى عبد الملك ( عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ( عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( لا يبتاع المرء ) بالرفع على النفي ، وللكشميهني : لا يبتع المرء بالجزم على النهي ( على بيع أخيه ولا تناجشوا ) أصله ( تتناجشوا فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا وقد سبق أنه الزيادة في الثمن ليغرّ غيره ( ولا يبيع ) بالرفع ، ولأبي ذر : ولا يبع بالجزم ( حاضر لبادٍ ) قال العيني : ولفظ السمسرة وإن لم يكن مذكورًا في الحديث فمتبادر إلى الذهن من اللام في قوله لبادٍ ، وقال الكرماني من لفظ باع لغيره فليتأمل . 2161 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - : " نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ " . وبه قال : ( حدّثنا ) بالجمع ، ولأبي ذر : حدّثني ( محمد بن المثنى ) العنزي الزمن قال ( حدّثنا معاذ ) بضم الميم آخره ذال معجمة هو ابن معاذ قاضي البصرة قال : ( حدّثنا ابن عون ) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة نون عبد الله ( عن محمد ) هو ابن سيرين أنه قال : ( قال أنس بن مالك - رضي الله عنه - نهينا ) بضم النون أي نهانا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أن يبيع حاضر لبادٍ ) ووقع التصريح بالرفع في رواية مسلم والنسائي من وجه آخر ، وهذه ثلاثة أبواب ساق فيها حديث لا يبيع حاضر لبادٍ ، لكن في الأوّل استفهام بهل ، وفي الثاني نص على الكراهة بالأجر ، وفي الثالث نهي في صورة النفي مقيد بالسمسرة مستنبطًا لها وهو ترتيب حسن وخص كل باب يإسناد تكثيرًا للطرق وتقوية وتأكيدًا ، وإسناد كل حكم إلى رواية الشيخ الذي استدلّ به عليه قاله الكرماني وغيره . وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وكذا أبو داود والنسائي . 71 - باب النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ لأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا ، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ وَالْخِدَاعُ لاَ يَجُوزُ ( باب النهي عن تلقي الركبان ) لابتياع ما يحملونه إلى البلد قبل أن يقدموا الأسواق ويعرفوا السعر ( وأن بيعه ) أي متلقي الركبان ( مردود ) باطل ( لأن صاحبه ) أي صاحب التلقي ( عاصٍ آثم إذا كان به ) أي بالنهي ( عالمًا ) كما هو شرط لكل ما نهي عنه ( وهو ) أي التلقي ( خداع ) بكسرَ أوله ( في البيع والخداع ) حرام ( لا يجوز ) لكن لا يلزم من ذلك بطلان البيع لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشيء من أركانه وشرائطه وإنما هو لدفع الإضرار بالركبان ، وجزم المؤلّف بأنه مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد ، وتعقبه الإسماعيلي وألزمه التناقض ببيع المصراة فإن فيه خداعًا ومع ذلك لا يبطل البيع وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع بأجر أو بغير أجر ، ومذهب الشافعية يحرم التلقي للشراء قطعًا وللبيع في أحد الوجهين والمعنى فيه الغبن والوجه الثاني